ابن عطية الأندلسي
289
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
جريج وغيره : هي ندب ، والزكاة غير هذا الإنفاق ، فعلى هذا لا نسخ فيها ، واليتم فقد الأب قبل البلوغ ، وتقدم القول في المسكين و ابْنِ السَّبِيلِ ، و ما تَفْعَلُوا جزم بالشرط ، والجواب في الفاء ، وقرأ علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه : « يفعلوا » بالياء على ذكر الغائب ، وظاهر الآية الخبر ، وهي تتضمن الوعد بالمجازاة ، و كُتِبَ معناه فرض ، وقد تقدم مثله ، وهذا هو فرض الجهاد ، وقرأ قوم « كتب عليكم القتل » . وقال عطاء بن أبي رباح : « فرض القتال على أعيان أصحاب محمد ، فلما استقر الشرع وقيم به صار على الكفاية » ، وقال جمهور الأمة : أول فرضه إنما كان على الكفاية دون تعيين . قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي اللّه عنه : واستمر الإجماع على أن الجهاد على أمة محمد فرض كفاية ، فإذا قام به من قام من المسلمين سقط عن الباقين ، إلا أن ينزل العدو بساحة للإسلام ، فهو حينئذ فرض عين ، وذكر المهدوي وغيره عن الثوري أنه قال : الجهاد تطوع . وهذه العبارة عندي إنما هي على سؤال سائل وقد قيم بالجهاد . فقيل له : ذلك تطوع وال كُرْهٌ بضم الكاف الاسم ، وفتحها المصدر . وقال قوم « الكره » بفتح الكاف ما أكره المرء عليه ، و « الكره » ما كرهه هو . وقال قوم : هما بمعنى واحد . وقوله تعالى وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً الآية ، قال قوم عَسى من اللّه واجبة ، والمعنى عسى أن تكرهوا ما في الجهاد من المشقة وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ في أنكم تغلبون وتظهرون وتغنمون وتؤجرون ، ومن مات مات شهيدا ، وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا الدعة وترك القتال وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ في أنكم تغلبون وتذلون ويذهب أمركم ، وفي قوله تعالى وَاللَّهُ يَعْلَمُ الآية قوة أمر . وقوله تعالى يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ الآية ، نزل في قصة عمرو بن الحضرمي ، وذلك أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعث سرية عليها عبد اللّه بن جحش الأسدي مقدمه من بدر الأولى ، فلقوا عمرو بن الحضرمي ومعه عثمان بن عبد اللّه بن المغيرة وأخوه نوفل المخزوميان والحكم بن كيسان في آخر يوم من رجب على ما ذكر ابن إسحاق ، وفي آخر يوم من جمادى الآخرة على ما ذكره الطبري عن السدي وغيره . والأول أشهر ، على أن ابن عباس قد ورد عنه أن ذاك كان في أول ليلة من رجب والمسلمون يظنونها من جمادى ، وأن القتل في الشهر الحرام لم يقصدوه ، وأما على قول ابن إسحاق فإنهم قالوا إن تركناهم اليوم دخلوا الحرم فأزمعوا قتالهم ، فرمى واقد بن عبد اللّه عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله ، وأسر عثمان بن عبد اللّه والحكم ، وفر نوفل فأعجزهم ، واستسهل المسلمون هذا في الشهر الحرام خوف فوتهم ، فقالت قريش : محمد قد استحل الأشهر الحرم ، وعيروا بذلك ، وتوقف النبي صلى اللّه عليه وسلم وقال : ما أمرتكم بقتال في الأشهر الحرم ، فنزلت هذه الآية . وذكر المهدوي أن سبب هذه الآية أن عمرو بن أمية الضمري قتل رجلين من بني كلاب في رجب فنزلت ، وهذا تخليط من المهدوي . وصاحبا عمرو كان عندهما عهد من النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وكان عمرو قد أفلت من قصة بئر معونة ، وذكر الصاحب بن عباد في رسالته المعروفة بالأسدية أن عبد اللّه بن